السيد علي الطباطبائي
397
رياض المسائل ( ط . ق )
لأن الجارح مقدم وإن جهل حالها طلب من المدعى تزكيتها فإن زكاها بشاهدين أو شاهد أيضا على قول على كل من الشاهدين يعرفان العدالة ومزيلها أثبتها ثم سئل الخصم من الجرح فإن اعترف بعدمه حكم كما مر وإن ادعاه واستنظر لإثباته أمهله ثلاثة أيام فإن أحضر الجارح نظر في أمره على حسب ما يراه من تفصيل أو إجمال وغيرهما فإن قبله قدمه على التزكية على التفصيل المتقدم إليه الإشارة ولا خلاف هنا في شيء من ذلك أجده حتى في توقف سؤال البينة والحكم بشهادتها على سؤال المدعي لكن في الكفاية وغيرها ذكر فيه الوجهان المتقدم ذكرهما في نظير المسألة ثم إن إطلاق الأصحاب الإمهال ثلاثة أيام مع الاستنظار يقتضي عدم الفرق بين قول المستنظر إن شهودي على الجرح على مسافة لا يصلون إلا بعد الثلاثة أيام وقوله غير ذلك قيل وينبغي لو عين مكانا بعيدا أن يمهل بقدره إذا لم يؤد إلى البعد المفرط الموجب للضرر بتأخير الحق ولا بأس به إن لم يثبت الإجماع على خلافه وفي وصيته علي ع لشريح في الخبر المشهور واجعل لمن ادعى شهودا غيبا أمدا بينهما فإن أحضرهم أخذت له بحقه وإن لم يحضرهم أوجبت عليهم القضية فتأمل ويستفاد منه أنه لو لم يحضرها المدعي بل قال البينة غائبة أجل وضرب له وقت بمقدار إحضارها بلا خلاف فيه وفي أنه أنشأ الحاكم خيره بين الصبر إلى الإحضار وبين إحلافه المنكر بل ذكر جماعة من دون خلاف بينهم ثبوت الخيار للمدعي بين إحلافه وبين إقامة البينة ولو كانت حاضرة لأن الحق له فله أن يفعل ما شاء منهما وفي جواز تكفيل المدعى عليه وأخذ الكفيل منه ليحضره متى حضرت البينة هنا أي عند غيبة البينة وعدم ثبوت الحق بها بعد تردد واختلاف بين الأصحاب فبين مجوز كالشيخين في المقنعة والنهاية والقاضي في أحد قوليه وابني حمزة وزهرة نافيا للخلاف فيه ظاهرا حفظا لحق المدعي حذرا من ذهاب الغريم ومانع كالإسكافي والشيخ ره في المبسوط والخلاف والحلي والقاضي في قوله الثاني وعليه أكثر المتأخرين بل عامتهم كما في ظاهر المسالك للأصل وكون مثل ذلك عقوبة قبل ثبوت الاستحقاق مع أن الكفيل يلزمه الحق إن لم يحضر المكفول وهنا لا معنى له قبل إثباته ولا معنى أيضا لكون ذلك الحق هنا هو حضور الدعوى وسماع البينة مع أنه بعد إحضارها إن كان حاضرا وإلا يحكم عليه وهو غائب ويطلب بالحق كسائر الغياب ولا ريب أن الأول مع رضا المدعى عليه أحوط سيما مع ما يظهر من الغنية من عدم الخلاف فيه مع إمكان المناقشة في أدلة المنع بمعارضة الأصل بما دل على لزوم مراعاة حق المسلم عن الذهاب في نفس الأمر فيجب فيه التكفيل ولو من باب المقدمة وفيه يظهر الجواب عن الثاني فإن التكفيل وإن كان ضررا إلا أن ذهاب الحق أيضا ضرر آخر وعلى الحاكم مراعاة الأقل منهما ضررا وقد يكون التكفيل أقل ضررا وأما أنه لا فائدة في التكفيل قبل إثبات الحق فمسلم إن تحقق عدم إمكان إثبات الحق أصلا في نفس الأمر ولكنه غير متحقق بعد احتمال حضور البينة وثبوت الحق بها فيلزم الكفيل إحضاره أو الالتزام بالحق إن ثبت وهرب المدعى عليه لو لم يكن له مال يقتص منه ومنه يظهر الجواب عن الأخير فإن الحكم عليه وهو غائب غير كاف في التخلص عن احتمال ذهاب الحق بعد فرض عدم مال له يقتص منه واحتمال عدم الوصول إليه ليداعيه وقياس المقام على إثبات الحق على الغيب قياس مع الفارق لإمكان التكفيل هنا وعدمه ثمة حين غياب الغائب فإذا القول الأول لا يخلو عن رجحان إن خيف هرب المنكر وعدم التمكن من استيفاء الحق بعد ثبوته من ماله ولو لم يخف عن ذلك أمكن ترجيح الثاني وبهذا التفصيل صرح الفاضل المقداد في شرح الكتاب فقال ولنعم ما قال ويقوى أن التكفيل موكول إلى نظر الحاكم فإن الحكم يختلف باختلاف الغرماء فإن الغريم قد يكون غير مأمون فالمصلحة حينئذ تكفيله وإلا لزم تضييع حق المسلم وقد لا يكون كذلك بل يكون ذا ثروة وحشمة ومكنة فلا حاجة إلى تكفيله لعدم ثبوت الحق والأمن من ضياعه وربما كان المدعي محتالا يكون طلبه للتكفيل وسيلة إلى أخذ ما لا يستحقه وعلى القول بالتكفيل فهل يتعين في ضرب مدته ثلاثة أيام كما عن ابن حمزة أو يناط بنظر الحاكم كما هو ظاهر الأكثر قولان وعليهما يخرج الكفيل من حق الكفالة عند انقضاء الأجل المضروب كائنا ما كان ولا خلاف فيه على الظاهر ووجهه مع ذلك واضح وإن قال المدعي إنه لا بينة لي عرفه الحاكم أن له اليمين على خصمه المنكر لحقه كما أن عليه البينة عليه إجماعا للنصوص المستفيضة بل المتواترة منها الخبر المستفيض النقل بين العامة والخاصة البينة على المدعي واليمين على من أنكر ولأنه مستند إلى البراءة الأصلية فهو أولى باليمين من المثبت إلا فيما استثني ولا يجوز هنا إحلافه حتى يلتمس المدعي قولا واحدا لأنه حق له وإن كان إيقاعه إلى الحاكم وليس هنا شهادة حال إذ ربما تعلق غرضه بعدم سقوط الدعوى بل بقاؤها إلى وقت آخر إما ليتذكر البينة أو ليتحرى وقتا صالحا فإن تبرع المنكر بالحلف أو أحلفه الحاكم من دون سؤاله لغا ولم يعتد بها وأعيدت مع التماس المدعي وبعدم الخلاف هنا صرح جماعة من أصحابنا وذكر الشهيدان وغيرهما من غير خلاف بينهم أجده بل ظاهر المقدس الأردبيلي ره نسبته إلى الأصحاب كافة أنه لا يستقل الغريم باليمين من دون إذن الحاكم لأن إيقاعه موقوف على إذنه وإن كان حقا لغيره وأنه وظيفته وسيأتي إن شاء اللَّه تعالى ما يدل عليه [ القول في المنكر ] ثم المنكر إما أن يحلف أو يرده على المدعي أو ينكل ويأبى عن الأمرين [ القول في حلف المنكر ] فإن حلف سقطت الدعوى وإن لم يبرأ ذمته من الحق في نفس الأمر لو كان كاذبا بل يجب عليه فيما بينه وبين اللَّه تعالى التخلص من حق المدعي بلا خلاف كما يستفاد من المعتبرة منها الصحيح وغيره قال رسول اللَّه ص ألا إنما أقضي بينكم بالبينات والأيمان وبعضكم ألحن بحجته من بعض فأيما رجل قطعت له من مال أخيه شيئا فإنما قطعت له قطعة من النار ونحوها ثالث مروي عن تفسير مولانا العسكري ع بأدنى تفاوت وزيد فيه فلا يأخذنه ويستفاد منها ثبوت مثل ذلك في جانب المدعي ولو شهدت له البينة الكاذبة وبخصوصه وردت أخبار كثيرة منها رواية الناهي المشهورة المروية في الفقيه وفيها أنه نهي عن أكل مال بشهادة الزور ولو ظفر له المدعي بمال لم يجز له المقاصة بعد إحلاف الحاكم إياه بسؤاله وإن كان له ذلك قبل الإحلاف كما يأتي ولا مطالبة به ولا معاودة المحاكمة فلو عاود الخصومة لم تسمع دعواه كل ذلك للنصوص المستفيضة